مستقبل الإسلام السياسي مقال بمجلة الوعي

كتبهاد.محمود مسعود ، في 12 نوفمبر 2009 الساعة: 09:14 ص

Normal 0 21 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;}

مستقبل الإسلام السياسي

عندما ثارت ثائرة الولايات المتحدة الأمريكية ضد التيار الإسلامي بحجة أنه يساند الإرهاب، وحاولت ربط الإسلام نفسه بالعنف، كانت هناك كتابات أمريكية تدعو للتروي والتفكير والتدبر حتى لا تنتج هذه الثورة ردود أفعال تؤدي إلى تغيير مفهوم السلم والأمن العالمي. وهذا ما أدركته أمريكا بتغير نظامها السياسي، ثم بتحسين صورتها حين غيرت خطابها كما اتضح ذلك من خطاب باراك أوباما للعالم الإسلامي، لهذا نقدم في مقالنا هذا قراءة لكتاب حمل الدعوة المبكرة للأمريكيين للتروي ومحاولة فهم ظاهرة الإسلام السياسي، وهذا الكتاب عنوانه: المستقبل السياسي للإسلام (The Future Of Political Islam) لجراهام فولر Graham E. Fuller  ومؤلف الكتاب ذو خبرة واسعة بالعالم الإسلامي، حيث عاش أربعة عشر عاما في خمس دول إسلامية، وقام بزيارات متكررة ولفترات طويلة لمعظم البلاد الإسلامية، وقد شغل منصب نائب رئيس لأحد المجالس التابعة لمركز الاستخبارات الأمريكية CIA في فترة الثمانينيات من القرن الماضي. و في هذا الكتاب يكشف المؤلف الخطوط العامة لظاهرة الإسلام السياسي من خلال رؤية واسعة ومركزة، كما يؤكد على تأثير الإسلام في السياسات الحديثة. وقد كتب كتابه هذا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وكان يسير ضد السياسة الأمريكية حينئذ، ومع ذلك فهو لا يقدم كتابه هذا كاعتذار للمسلمين إنما هو مجرد محاولة لفهم وتعقل ظاهرة الإسلام السياسي لخدمة وطنه الأمريكي. وقد تتابعت فصول الكتاب العشرة لتبحث أهم القضايا التي تخص المشروع السياسي الإسلامي : وتبدأ بموقف المسلمين من تاريخهم العظيم وتحسرهم على غيابه والحنين للماضي العريق لحضارتهم الإسلامية، ثم ما تلي ذلك من انحدار وانحطاط وتهميش لدور المسلمين في العالم. وحاول الكاتب كشف الدور الذي يمكن أن يلعبه الإسلام السياسي في عالمنا المعاصر. ثم قسم الحركات الإسلامية قسمين رئيسيين وهما الإسلام الأصولي والإسلام الليبرالي. وحاول أن يضع الإسلام في سياق السياسات العالمية، رأى أن الإسلام السياسي ليس نشازا بين الحركات السياسية العالمية خاصة في العالم الثالث. ثم نراه يناقش الإسلام السياسي وعلاقته بالإرهاب؛ فخصص فصلين من الكتاب لدراسة الممارسة السياسية للإسلاميين مستشهدا بإيران والسودان، وركز بصفة خاصة على الممارسات الديمقراطية، وذهب المؤلف إلى أن الحركات الإسلامية تقبل بالحكم الديمقراطي، لكونها تريد أن تصبح جزءا من النظام العالمي. وبحث المؤلف مشكلة الإسلام والغرب وماهية العوامل الفاعلة التي تقود تلك العلاقة، مستفسرا عما إذا كان الصدام بين الحضارتين سيستمر طويلا. ثم ناقش العوامل الرئيسة التي ستؤثر على مستقبل الإسلام السياسي، ثم ختم كتابه برؤية مستقبلية للإسلام السياسي والمشكلات الرئيسة التي ستواجه تلك الحركات الإسلامية من وجهة نظره .

ونحاول هنا أن نطرح الأفكار الرئيسة ونعلق عليها من خلال إحدى عشرة نقطة:

الأولى: تتطرق لطرح المؤلف عدة أسئلة عادة ما يطرحها المهتم بهذا الشأن، من مثل ما هو الإسلام السياسي؟ وما هي تأثيراته في العالم؟ وما هي التحديات التي يفرضها؟ وما هي التحديات التي تواجهه؟ وأين مراكز ثقله؟ والمؤلف يريد من وراء تلك الأسئلة أن يقف عند السبب الذي أدى إلى تعاظم ظاهرة الإسلام السياسي في العصر الحديث، وكذلك يبحث عن تخوف الغرب من هذه الظاهرة، وانتهى في هذه النقطة إلى أن الغرب يجني ثمار أخطائه في التعامل مع المسلمين؛ حيث ساند منذ فترات طويلة حكومات ظالمة ومستبدة، فتفجرت براكين الكراهية والغضب ضده وهو ما سهل على المعارضين الإسلاميين أن يسيطروا على الشارع المسلم. كما أن الظلم الاجتماعي سّهل للحركات الإرهابية أن تتقوى وتتمدد.

الثانية: تظهر دعوة المؤلف بأن يتاح للإسلاميين الفرصة للتعبير عن أرائهم وعرض برامجهم وتنفيذ بعض تلك البرامج طالما أنهم لا ينحرفون عن القواعد الأساسية للمجتمع الدولي المعاصر، وهو في ذات الوقت يشك في قدرتهم على مجابهة كل مشكلات مجتمعاتهم، وفي رأيه أن العديد من تلك الحركات قد انحرفت فعليا عن بعض قواعد المجتمع الدولي. فبعضها فشل بالفعل ويستحق الإدانة مثل طالبان وجماعات العنف في مصر وجبهة الإنقاذ الجزائرية، وبصفة خاصة تنظيم القاعدة الذي لم يقدم أي إسهامات سياسية سوى إراقة الدماء، لكنه يرى أيضا أن بعض الحركات الإسلامية مازالت تتطور وتستحق المراقبة، رغم أن السلطات المحلية تعمل على إبعادها.

الثالثة: تكشف فهم المؤلف العميق لدور تلك الحركات في مواجهة و دفع الظلم وحل المشكلات الاجتماعية والحياتية للشعوب، وفي ذات الوقت تبحث عن وسيلة للتعبير عن آرائها وتدعو لبرنامج عملي من خلال النظم الحاكمة ذاتها. ومن هنا أخذ الإسلام السياسي ينمو ويتسع ويتطور ويتنوع بل سوف يصبح حتما صاحب سمة مسيطرة وغالبة لسياسة الحكم في العالم الإسلامي. ومع أن الإرهاب يمثل خيطا رفيعا من التيار العام للإسلام السياسي، فانه يمكنه أن يكون ذا قوة مؤثرة على خريطة العلاقة السياسية بين الإسلام والغرب بصفة خاصة، كما ظهر من أقوال وأفعال أسامة بن لادن ورد الفعل الأمريكي تجاهه.

الرابعة: تبين أن الإسلام كدين يختلف عن الممارسات الإسلامية التي نتجت عن فهم بعض المسلمين للإسلام. فكلمة إسلامي تعني الشخص الذي يعتقد أن الإسلام كدين له رؤية سياسية للمجتمع الإسلامي المعاصر، بل يبحث عن ممارسة هذه الفكرة بطريقة عصرية. أما مصطلح الأصولية فهو يختص بالذين يتبعون قراءة حرفية ضيقة للنصوص الإسلامية و يحتكرون فهما واحدا للإسلام، ويعدون فهمهم للإسلام هو الفهم الوحيد الصائب، كما يظهرون عدم تسامح تجاه من يختلف معهم.

الخامسة: تظهر دعوة الكاتب لإعادة النظر والبحث في ظاهرة الإسلام السياسي بغض النظر عن محاولة فهم الإرهاب؛  فالإسلام السياسي يمثل بالنسبة للغربيين عالما غريبا وبعيدا مرتبطا بكفاح القرن السابع الميلادي لنشأة الإسلام، لكن الحقيقة غير ذلك؛ فسياسات الإسلاميين لم تستطع أن تصبح مهمة أو مؤثرة في السياسية الحديثة أو في التطور الاجتماعي كما أثر الإسلام قديما في العالم وسياسته. فالإسلاميون اليوم يناضلون مثل بقية شعوب الدول النامية ضد مشكلاتهم المزمنة والمستعصية، مثل مشكلة الحداثة والتطور والمدنية والتفكك الاجتماعي والأزمات، وتدهور القيم والتقاليد وتهديدات العولمة وغيرها. و معظم الإسلاميين ينظرون إلى الأمام ويحاولون تأسيس قاعدة أخلاقية أفضل للمجتمع قادرة على مواجهة متطلبات الحياة المعاصرة والتغلب على صعوباتها.

السادسة: وهي تعد الفكرة الرئيسة للكتاب، فهي تحاول إثبات أن ظاهرة الإسلام السياسي ليس ظاهرة بعيدة وغريبة إنما هي مرتبطة بشكل جوهري بالقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية المعاصرة ذات الاهتمام العالمي. فمع أن الغرب لا يستريح كثيرا لوجود الدين في المحيط الاجتماعي، إلا أن أي دراسة للدين توضح مدى أهميته في مناحي الحياة. فمحاولة الإنسان أن يجد معنى فلسفيا و روحيا للحياة يمثل المادة الخام لمعظم الآداب والأفكار والفلسفات والفنون والموسيقى. والدين هو محور أساسي لكل تلك القيم، فهو رؤية للحياة كما أن الخوف من الفناء والاهتمام بما هو صواب وخطأ والتطلع لاستلهام قيم أخلاقية للوصول لكمال روحي في مراحل الحياة اليومية، كل هذه الاهتمامات تشغل الناس جميعا سواء أكانوا متدينين أم غير متدينين. والإسلام السياسي في قلب هذه الاهتمامات شأنه شأن غيره من النظم السياسية العالمية. ورغم أن معظم الشعوب الصناعية يظهرون عدم التعاطف مع الدين خاصة الدين المنظم؛ معتقدين أنه غير متسامح ويتضمن بقايا بعض الخرافات التي لم تندثر مع التقدم العلمي، إلا أن القليل من هؤلاء لا يهتم بما تثيره القضايا الدينية، فسيظل الدين قوة دافعة للمجتمع الإنساني، وحينما يرتبط الدين بالسياسة يكون هناك عنصران أساسيان قد التحما. ويتعجب الكاتب كيف يمكن للسياسة أن تكون غير مكترثة بتلك القوة الدافعة ألا وهي الدين؟! وكيف يمكن للدين برؤيته الكلية والشاملة للوجود الإنساني أن لا يكون من أولوياته الاهتمام بإدارة هذا المجتمع الإنساني؟!

السابعة: يبرز فيها كاتبنا تدين الأمريكيين وقوة صلتهم بالدين وأن الاتجاه الأمريكي للعلمانية لا يعني أنهم ينكرون الدين ودوره في الحياة، بل العكس من ذلك هو الصحيح، حيث أراد الأمريكيون بهذا التوجه أن يحافظوا على إيمانهم من بطش السلطة السياسية. فالأمريكيون هم أكثر الدول الصناعية تدينا.

الثامنة: تؤكد أنه من الواجب على من يدرس الظاهرة السياسية الإسلامية أن ينظر للظاهرة العالمية للدين والسياسية. فحتى لو تباينت وجهة نظر الغربيين والشرقيين لبعض القضايا مثل: حق الحياة وحق الموت؛ (الإجهاض و الموت الدماغي)، وفهم وتعليم الجنس و قانون الطلاق وغيرها من القضايا التي يرى الغربيون عدم صلتها بالدين في حين يرى الإسلاميون أنها مرتبطة بالدين ارتباطا مباشرا، لكنهم جميعا يؤمنون بالأهمية السياسية للدين. كما أنه يمكن رؤية وفهم بعض الملامح الأساسية والرئيسة في العالم الإسلامي من خلال الإسلاميين السياسيين أكثر من غيرهم من أصحاب المذاهب الأخرى كالاشتراكيين واليساريين والاجتماعيين والقوميين والديمقراطيين، وذلك لسبب بسيط و هو أن الإسلام يتخلل الحياة اليومية للمجتمع الإسلامي بشكل أعمق من أي نظرية أو أيديولوجية أخرى. ثم من يضمن أن لا يعود المسلمون ليعتلوا سلم الحضارة من جديد؟ فالإسلاميون يتطورون بسرعة مذهلة، وهم أسرع تأثيرا في العالم الإسلامي من النخبة التي تعلمت في الغرب والتي لها تأثير ضعيف في المجتمع.

التاسعة: أخذ فيها المؤلف يتأمل متسائلا عن مستقبل ظاهرة الإسلامي السياسي وهل  سيمثل دور المقاومة للعولمة وآثارها؟ أم سوف يمثل صيغة جديدة يتواءم بها الإسلام مع العصر وتتمكن المجتمعات الإسلامية عن طريقه من الدخول في الألفية الجديدة وهي أكثر ثقة بتراثها الحضاري؟ ثم هل الحركات الإسلامية قدمت أطروحات ثبت فشلها في النصف الثاني من القرن الماضي وانتهى الأمر، أم ستقبل تلك الأطروحات تعديلا وتغيرا يفيد الحركات الإسلامية لتنمو وتزداد ازدهارا؟

العاشرة: حملت بعض توقعات المؤلف لظاهرة الإسلام السياسي التي ستواجه متطلبات وضغوط أكثر كلما زاد نجاحها، وأن نتائج الحرب على الإرهاب ستصير إلى غير جدوى وستفشل أمريكا في القضاء على الإرهاب، وستتصاعد موجات الغضب الإسلامي مما قد يزيد العمليات الإرهابية ضد الأمريكيين، وسيؤدي ذلك إلى توتر العلاقة بين العالمين الإسلامي والغربي، وكذلك سيحدث توتر بين الجالية المسلمة في الغرب والشعوب الغربية مما قد يصيب الحريات المدنية بنكسات كبيرة. وهذا سيؤدي إلى بُعد الحركات الإسلامية عن هدفها الأساسي وهو تقوية وبناء المجتمع الإسلامي؛ لأنها ستنشغل بالدفاع عن نفسها وربما الانتقام، لكن ليس كل الحركات ستقع في هذا الفخ. فهناك دول ذات نظام ديمقراطي مستقر مثل تركيا ماليزيا والكويت والأردن والبحرين والمغرب واليمن. وسينشغل الإسلاميون بدعم الحركات التحررية للأقليات المسلمة في روسيا والصين والهند.

أما النقطة الحادية عشر والأخيرة فيظهر من خلالها كيف أن مستقبل الإسلام السياسي مرتبط بشكل وثيق بقضية الإصلاح، وسيستمر نجاح الحركات السياسية الإسلامية في العالم الإسلامي طالما وُجد الظلم الاجتماعي بين طبقات الشعب. لكنه لو لم يتبنَ الإسلاميون تلك القضايا بشكل فعال ومحاولة إيجاد حلول لها، ستنشأ قوى وحركات أخرى تتبنى هذه القضايا، خاصة حركات اليسار. وفي النهاية يربط المؤلف نجاح الإسلاميين بعدة عوامل هي انحصار الإرهاب وتخلى أمريكا عن سياستها ضد الإرهاب، وإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، ووجود إصلاح سياسي حقيقي في العالم الإسلامي تدعمه أمريكا، وتحسن الأوضاع المعيشية في الدول الإسلامية.

د. محمود مسعود 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر